جمباز العين

الشاشات الرقمية

الوضع الليلي والوضع الداكن: هل يريحان عينيك فعلًا؟

الوضع الداكن والوضع الليلي يُروَّج لهما كحماية للعين، لكن الأدلة أكثر دقة من ذلك. نشرح ما يفيده كل منهما، ومتى قد يزيد الأمر سوءًا.

قراءة في 7 د فريق التحرير

في السنوات الأخيرة أصبح الوضع الداكن (dark mode) خيارًا أساسيًا في الهواتف والحواسيب والتطبيقات، وانتشرت معه قناعة واسعة بأنه أريح للعين وأفضل للصحة. وفي الوقت نفسه، أضافت الأجهزة ما يُسمى الوضع الليلي (night mode أو night shift) الذي يجعل ألوان الشاشة أكثر دفئًا وصفرة في المساء، بوعد تحسين النوم. فهل هذه الوعود صحيحة؟ وهل يجب أن تُفعّل كليهما دائمًا؟

الحقيقة أن هذين الإعدادين مختلفان تمامًا في هدفهما وآليتهما، وأن الأدلة العلمية حولهما أقل حسمًا مما توحي به الدعاية. في هذا المقال نشرح الفرق بينهما، وما تقوله الأبحاث عن الميلاتونين والنوم، ولماذا قد يكون النص الأسود على الخلفية البيضاء أوضح لكثيرين، ولماذا يعاني بعض المصابين باللابؤرية من الوضع الداكن، ثم نقدم توصيات عملية.

النقاط الرئيسية

  • الوضع الليلي يغير لون الشاشة إلى الدافئ لتقليل الضوء الأزرق مساءً؛ والوضع الداكن يقلب الألوان إلى نص فاتح على خلفية داكنة.
  • الأدلة على أن الوضع الليلي وحده يحسن النوم بشكل ملحوظ محدودة؛ تقليل السطوع ووقت الشاشة قبل النوم أهم.
  • في الإضاءة الجيدة، النص الداكن على خلفية فاتحة (القطبية الموجبة) يحقق عادة وضوحًا أفضل وقراءة أدق.
  • المصابون باللابؤرية وبعض أنواع العتامة قد يرون النص الفاتح على الداكن متوهجًا أو مشوشًا (ظاهرة الهالة).
  • لا يوجد دليل على أن أيًا من الوضعين يحمي العين من الأمراض؛ اختر ما يريحك، وقلل السطوع ليلًا، وخذ استراحات.

ما الفرق بين الوضع الليلي والوضع الداكن؟

كثيرون يخلطون بين الإعدادين، لكنهما يعالجان مسألتين مختلفتين:

الجانبالوضع الليليالوضع الداكن
ماذا يفعل؟يحول درجة حرارة اللون إلى الدافئ (أصفر/برتقالي) ويقلل الضوء الأزرقيعرض نصًا فاتحًا على خلفية سوداء أو رمادية داكنة
الهدف المعلنتقليل تأثير الشاشة على الساعة البيولوجية والنومتقليل السطوع العام وراحة العين في الإضاءة الخافتة، وتوفير البطارية
متى يستخدم عادة؟في المساء وقبل النومحسب التفضيل، كثيرًا في الليل
يغير قطبية النص؟لانعم
الفائدة الإضافيةراحة بصرية لدى بعض الأشخاصتوفير طاقة في شاشات OLED

ويمكن الجمع بينهما بالطبع، لكن من المفيد فهم كل منهما على حدة.

الوضع الليلي والميلاتونين: ماذا تقول الأدلة؟

الميلاتونين هرمون تفرزه الغدة الصنوبرية في الدماغ مع حلول الظلام، ويرسل للجسم إشارة بأن وقت النوم قد حان. وفي الشبكية خلايا خاصة حساسة للضوء تسمى الخلايا العقدية الحساسة ذاتيًا للضوء (ipRGCs)، تحتوي على صبغة الميلانوبسين، وهي الأكثر حساسية للضوء الأزرق والأزرق المخضر. وهذه الخلايا لا تساهم في الرؤية بقدر ما تخبر الساعة البيولوجية بمستوى الضوء المحيط. ولهذا السبب يمكن للضوء الساطع، وخصوصًا الغني بالأزرق، أن يثبط الميلاتونين ويؤخر الإحساس بالنعاس.

انطلاقًا من ذلك، يبدو الوضع الليلي فكرة منطقية. لكن عند فحص الأدلة نجد الصورة أكثر تعقيدًا:

  • السطوع أهم من اللون: كمية الضوء الكلية التي تصل إلى العين عامل رئيسي. شاشة هاتف دافئة اللون لكن ساطعة جدًا قد تؤثر أكثر من شاشة زرقاء معتمة.
  • نتائج الدراسات متباينة: بعض الدراسات المخبرية وجدت أن تقليل الضوء الأزرق من الشاشات يخفف تثبيط الميلاتونين قليلًا، لكن دراسات أخرى على الاستخدام الواقعي لم تجد تحسنًا ملحوظًا في جودة النوم بمجرد تفعيل الوضع الليلي. ووجدت دراسة شهيرة من جامعة بريغهام يونغ عام 2021 أن الوضع الليلي لم يحسن مقاييس النوم بشكل واضح مقارنة بعدم استخدامه.
  • المحتوى نفسه منبه: التصفح والرسائل والألعاب والفيديو تُبقي الدماغ في حالة يقظة وتؤخر النوم بغض النظر عن لون الشاشة.
  • الوقت المسروق من النوم: المشكلة الأكبر غالبًا أن الشاشة تجعلنا نؤجل النوم لا أنها تمنعنا منه كيميائيًا.

والخلاصة: لا ضرر في تفعيل الوضع الليلي، وقد يكون مريحًا لبعض الناس، لكنه ليس حلًا سحريًا لمشكلات النوم. الأهم هو خفض السطوع مساءً، والتوقف عن استخدام الشاشات قبل النوم بوقت كافٍ، والتعرض لضوء النهار صباحًا لضبط الساعة البيولوجية. اقرأ المزيد في دليلنا عن النوم وصحة العين، ومقالنا عن الحقيقة حول الضوء الأزرق.

هل الضوء الأزرق من الشاشة يضر الشبكية؟

هذا قلق شائع، لكن الأكاديمية الأمريكية لطب العيون تؤكد أنه لا يوجد دليل على أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يضر العين أو يسبب أمراض الشبكية. فالشمس مصدر للضوء الأزرق أقوى بكثير من أي شاشة. لذلك فإن الهدف من الوضع الليلي هو النوم لا حماية الشبكية.

الوضع الداكن ووضوح القراءة

هنا نصل إلى مسألة مثيرة للاهتمام. في علم الرؤية يُطلق على النص الداكن فوق خلفية فاتحة اسم القطبية الموجبة (positive polarity)، وعلى النص الفاتح فوق خلفية داكنة اسم القطبية السالبة (negative polarity). وقد درس الباحثون في مجال بيئة العمل وعوامل الإنسان هذا الموضوع منذ عقود، وكانت النتيجة المتكررة أن القطبية الموجبة تتفوق في الإضاءة المعتادة في عدة جوانب:

  • حدة أفضل: الخلفية الفاتحة تجعل الحدقة تضيق، وكلما ضاقت الحدقة زاد عمق الميدان وقلت الانحرافات البصرية، فتبدو الحروف أكثر حدة.
  • قراءة أدق وأسرع: أظهرت دراسات تجريبية أن المشاركين قرؤوا النص بالقطبية الموجبة بدقة وسرعة أعلى قليلًا، وتمكنوا من تمييز تفاصيل أصغر.
  • تفوق خاص بالنص الصغير: الفارق يصبح أوضح كلما صغر حجم الخط.

أما في الوضع الداكن فإن الحدقة تتسع لأن معظم الشاشة مظلم، فتدخل أشعة من أطراف العدسة البلورية والقرنية حيث تكون الانحرافات البصرية أكبر، وقد تقل حدة الحروف قليلًا.

هذا لا يعني أن الوضع الداكن ضار. الفروق في الوضوح متواضعة غالبًا، وقد يجد كثير من الناس الوضع الداكن أريح في الغرف الخافتة لأنه يقلل السطوع الكلي. لكنه يعني أن الإعلانات التي تقول إن الوضع الداكن أفضل للعين بشكل مطلق لا تستند إلى أدلة قوية.

اللابؤرية وظاهرة الهالة: لماذا يزعج الوضع الداكن بعض الناس؟

إذا كنت ممن يرون الحروف البيضاء على الخلفية السوداء وكأنها تتوهج أو تنتشر أو تبدو مزدوجة الحواف، فلست وحدك. هذه الظاهرة تسمى الهالة أو الانتشار الضوئي (halation)، وهي أوضح لدى فئات معينة:

  • المصابون باللابؤرية: في اللابؤرية لا تُركّز القرنية أو العدسة الضوء في نقطة واحدة، فتبدو الأجسام المضيئة الصغيرة على خلفية داكنة ممتدة أو مشوشة، تمامًا كما تبدو أضواء السيارات ليلًا ممدودة لدى بعض المصابين. ومع اتساع الحدقة في الوضع الداكن يزداد هذا التأثير.
  • من لديهم بداية عتامة في العدسة: الساد يشتت الضوء ويسبب وهجًا حول النصوص المضيئة.
  • من أجروا جراحات انكسارية: بعض المرضى يلاحظون هالات حول الأضواء خاصة مع اتساع الحدقة.
  • مرضى جفاف العين: سطح العين غير المنتظم يشتت الضوء ويقلل الوضوح.

وإذا كنت تعاني لابؤرية غير مصححة، فالوضع الداكن قد يكشف المشكلة بوضوح. وفي هذه الحالة يفيد فحص النظر وتصحيح اللابؤرية بنظارة أو عدسات، ويمكنك إجراء اختبار اللابؤرية المبدئي على موقعنا قبل زيارة الطبيب.

هل يقلل الوضع الداكن إجهاد العين الرقمي؟

إجهاد العين الرقمي ينتج أساسًا عن قلة الرمش، والتركيز القريب الطويل، والوهج، وسوء الإعداد، وأخطاء النظر غير المصححة. ولا يعالج الوضع الداكن أيًا من هذه الأسباب مباشرة. صحيح أنه يقلل السطوع الكلي، وهذا قد يريح في الغرف المظلمة، لكنه لا يجعلك ترمش أكثر ولا يغير مسافة القراءة. لذلك فإن الإجراءات المجربة تبقى أهم: قاعدة 20-20-20، وضبط إعداد الشاشة، والرمش الواعي. اقرأ متلازمة رؤية الحاسوب لخطة متكاملة.

توصيات عملية: متى تستخدم كل وضع؟

الموقفالخيار المقترح
العمل نهارًا في مكتب مضاء جيدًاالوضع الفاتح (نص داكن على خلفية فاتحة) بسطوع مناسب للغرفة
قراءة نصوص طويلة أو صغيرة الخطالوضع الفاتح غالبًا أوضح؛ كبّر الخط إن لزم
الاستخدام في غرفة خافتة أو ليلًاالوضع الداكن أو الفاتح مع سطوع منخفض جدًا، حسب راحتك
قبل النوم بساعة أو ساعتينالوضع الليلي مع خفض السطوع، والأفضل تقليل الاستخدام
إذا كنت مصابًا باللابؤرية أو ترى هالات حول النصجرب الوضع الفاتح، أو الوضع الداكن برمادي داكن بدل الأسود الكامل مع خط أثقل
البرمجة والتطبيقات ذات الخلفيات الكثيفةتفضيل شخصي؛ اختر سمة متوسطة التباين لا أبيض ناصع على أسود حالك

نصائح لضبط الوضع الداكن بشكل أريح

  • اختر رماديًا داكنًا للخلفية بدل الأسود الكامل، ونصًا رماديًا فاتحًا بدل الأبيض الناصع، لتقليل التباين المفرط والهالة.
  • كبّر الخط قليلًا واجعله أثقل في الوضع الداكن.
  • لا تستخدم الوضع الداكن في غرفة مضاءة بشدة؛ فالانعكاسات على الشاشة السوداء تكون أوضح.
  • أبقِ إضاءة خافتة في الغرفة بدل الظلام التام.

نصائح للوضع الليلي

  • اضبطه ليبدأ تلقائيًا عند الغروب.
  • اجمعه مع خفض السطوع؛ فاللون الدافئ وحده لا يكفي.
  • إذا كنت تعمل على تصميم أو صور تتطلب دقة الألوان، فأوقفه أثناء العمل.
  • الأهم: ضع الهاتف جانبًا قبل النوم بوقت كافٍ. وجرب برنامج الاسترخاء المسائي بديلًا عن التصفح.

ماذا عن الأطفال والمراهقين؟

يستخدم الأطفال والمراهقون الأجهزة في المساء أكثر من غيرهم، وساعتهم البيولوجية تميل طبيعيًا إلى التأخر في سن المراهقة. لذلك قد يبدو الوضع الليلي حلًا مغريًا للأهل. لكن التجربة العملية تُظهر أن القاعدة الأنفع هي إبعاد الأجهزة عن غرفة النوم ليلًا وتحديد موعد ثابت لإطفائها، لأن المحتوى نفسه يبقي الدماغ متيقظًا مهما كان لون الشاشة. والتعرض لضوء النهار في الهواء الطلق خلال اليوم لا يساعد على ضبط النوم فحسب، بل يرتبط أيضًا بتقليل خطر بداية قصر النظر لدى الأطفال. فإن أردت إعدادًا تقنيًا مساعدًا، ففعّل الوضع الليلي مع خفض السطوع وأدوات تحديد الوقت معًا، لا الوضع الليلي وحده.

أسئلة يطرحها كبار السن وضعاف البصر

مع التقدم في العمر تقل كمية الضوء الواصلة إلى الشبكية بسبب صغر الحدقة واصفرار العدسة، فيحتاج كثير من كبار السن إلى إضاءة أكثر وتباين أعلى. ولذلك يجد بعضهم الوضع الفاتح بسطوع جيد أوضح. لكن بعض المصابين بضعف البصر أو بأمراض تسبب حساسية شديدة للضوء يفضلون النص الفاتح على الداكن مع تكبير كبير، لأن الخلفية البيضاء تبهرهم. وفي هذه الحالات تحديدًا يكون الاختيار فرديًا تمامًا، وقد يساعد أخصائي ضعف البصر في اختيار الإعدادات الأنسب.

متى يجب مراجعة الطبيب؟

تغيير الإعدادات لا يعالج مشكلات العين. راجع طبيب العيون إذا لاحظت:

  • هالات أو توهجًا حول النصوص والأضواء جديدًا أو متزايدًا.
  • صعوبة في القراءة بأي من الوضعين، أو حاجة متزايدة إلى تكبير الخط.
  • تشوشًا مستمرًا أو ازدواجًا في الرؤية.
  • جفافًا وحرقة مستمرين رغم الاستراحات.
  • صعوبة واضحة في الرؤية الليلية أو القيادة ليلًا.

علامات تستدعي التقييم العاجل: ظهور مفاجئ لهالات ملونة حول الأضواء مع ألم في العين واحمرار وصداع وغثيان، فقدان مفاجئ للرؤية، ومضات ضوئية مع عوائم جديدة كثيرة، أو ظل يغطي جزءًا من الرؤية. هذه الأعراض لا علاقة لها بإعدادات الشاشة وتحتاج إلى طبيب في اليوم نفسه.

والخلاصة أن الوضع الليلي والوضع الداكن أدوات راحة وتفضيل شخصي، لا علاجات طبية. استخدم ما تجده مريحًا، وانتبه إلى أن النص الداكن على الفاتح غالبًا أوضح في الإضاءة الجيدة، وأن الشاشة الخافتة والاستراحات والنوم الكافي تبقى أساس العين المرتاحة.

الأسئلة الشائعة

هل الوضع الداكن أفضل للعين؟

ليس بالضرورة. قد يكون أريح في الغرف الخافتة لأنه يقلل السطوع، لكن الأبحاث تشير إلى أن النص الداكن على خلفية فاتحة يحقق عادة وضوحًا وقراءة أفضل في الإضاءة الجيدة. لا يوجد دليل على أن أيًا منهما يحمي من أمراض العين.

هل الوضع الليلي يحسن النوم؟

قد يقلل الضوء الأزرق قليلًا، لكن الدراسات لم تُظهر تحسنًا واضحًا في النوم بمجرد تفعيله. خفض السطوع وتقليل استخدام الشاشة قبل النوم والتعرض لضوء النهار صباحًا أكثر تأثيرًا.

لماذا أرى النص الأبيض على الخلفية السوداء مشوشًا؟

تسمى هذه الظاهرة الهالة، وهي أوضح لدى المصابين باللابؤرية أو بداية الساد أو جفاف العين، لأن الحدقة تتسع في الوضع الداكن فيزداد تشتت الضوء. جرب خلفية رمادية داكنة وخطًا أثقل، وافحص نظرك.

هل الضوء الأزرق من الهاتف يضر الشبكية؟

وفق الأكاديمية الأمريكية لطب العيون لا يوجد دليل على أن الضوء الأزرق من الشاشات يضر الشبكية. تأثيره الأساسي المحتمل هو على الساعة البيولوجية والنوم عند الاستخدام الليلي.

هل يوفر الوضع الداكن البطارية؟

نعم في شاشات OLED وAMOLED، لأن البكسلات السوداء تُطفأ تقريبًا. أما في شاشات LCD التقليدية فالإضاءة الخلفية تعمل دائمًا، فيكون التوفير ضئيلًا. هذه ميزة تقنية لا علاقة لها بصحة العين.

أيهما أفضل للقراءة الطويلة؟

لمعظم الناس في إضاءة جيدة، النص الداكن على خلفية فاتحة بسطوع مناسب للغرفة وخط كبير بما يكفي. في الليل أو الغرف الخافتة يمكنك استخدام أي من الوضعين مع خفض السطوع، واختيار ما يريحك.

المصادر
  • American Academy of Ophthalmology – Should you be worried about blue light? / Dark mode and your eyes
  • Piepenbrock C, Mayr S, Buchner A. Positive display polarity is advantageous for both younger and older adults. Ergonomics 2013
  • Piepenbrock C, et al. Smaller pupil size and better proofreading performance with positive than with negative polarity displays. Ergonomics 2014
  • Duraccio KM, et al. Does iPhone Night Shift mitigate negative effects of smartphone use on sleep outcomes? Sleep Health 2021
  • Singh S, et al. Blue-light filtering spectacle lenses. Cochrane Database of Systematic Reviews 2023
  • Harvard Health Publishing – Blue light has a dark side

مقالات ذات صلة