جمباز العين

صحة العين

لماذا يتزايد قصر النظر حول العالم؟ الأسباب والمخاطر والوقاية

تتوقع الدراسات أن يعاني نحو نصف سكان العالم من قصر النظر بحلول 2050. ما الذي يحدث لعيوننا؟ ولماذا يهمّ ذلك أكثر من مجرد ارتداء نظارة؟

قراءة في 7 د فريق التحرير

قبل بضعة عقود كان قصر النظر حالة شائعة لكنها محدودة، يعاني منها بعض الطلاب الذين يجلسون في الصفوف الأمامية. أما اليوم فقد أصبح ظاهرة عالمية متسارعة يصفها كثير من الباحثين بالوباء. ففي بعض مدن شرق آسيا يرتدي معظم الشباب نظارات، وتتصاعد الأرقام في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط أيضًا. ولا يتعلق الأمر بإزعاج ارتداء النظارة فقط، بل بخطر حقيقي على البصر في المستقبل لدى من يصابون بقصر النظر الشديد.

في هذا المقال نستعرض حجم المشكلة بالأرقام الموثقة، ونشرح العوامل التي تقف وراء هذه الزيادة، من العمل القريب إلى قلة ضوء النهار إلى الوراثة، ثم نوضح لماذا يُعد قصر النظر الشديد قضية صحية عامة، وما الذي يمكن فعله على مستوى الأسرة والمجتمع.

النقاط الرئيسية

  • وفق دراسة هولدن وزملائه المنشورة عام 2016، قد يعاني نحو نصف سكان العالم من قصر النظر بحلول عام 2050، ونحو عُشرهم من قصر النظر الشديد.
  • الزيادة الأسرع في شرق آسيا، حيث تجاوزت النسبة لدى الشباب في بعض المدن 80 بالمئة.
  • السرعة الكبيرة للزيادة تشير إلى دور أساسي لنمط الحياة: العمل القريب الطويل وقلة الوقت في ضوء النهار.
  • الوراثة تؤثر في القابلية، لكنها لا تفسر وحدها هذا التغير السريع خلال جيل أو جيلين.
  • قصر النظر الشديد يزيد خطر انفصال الشبكية واعتلال البقعة الناتج عن قصر النظر والزرق والساد المبكر.

ما هو قصر النظر؟

قصر النظر (Myopia) عيب انكساري يرى فيه الشخص الأشياء القريبة بوضوح، بينما تبدو الأشياء البعيدة مشوشة. ويحدث في معظم الحالات لأن كرة العين تكون أطول من اللازم من الأمام إلى الخلف، فتتجمع أشعة الضوء القادمة من بعيد أمام الشبكية بدلًا من أن تتركز عليها. وفي حالات أقل يكون السبب زيادة انحناء القرنية أو قوة العدسة. لمزيد من التفاصيل اقرأ دليل قصر النظر وصفحة عيوب الانكسار.

يبدأ قصر النظر عادة في سن المدرسة، ويتقدم خلال سنوات الطفولة والمراهقة مع نمو العين، ثم يستقر غالبًا في العشرينيات. وكلما بدأ مبكرًا، زادت الفرصة لأن يصل إلى درجة عالية. ويُقاس بوحدة الديوبتر، ويُعرّف قصر النظر الشديد عادة بأنه 5 ديوبتر سالبة أو أكثر، وفق تعريف منظمة الصحة العالمية المعتمد في كثير من الدراسات.

حجم المشكلة: أرقام وتوقعات

في عام 2016 نشر الباحث برين هولدن وزملاؤه في مجلة Ophthalmology تحليلًا شاملًا جمع بيانات من أكثر من 140 دراسة، وقدّروا فيه أن نحو 1.4 مليار شخص، أي قرابة ربع سكان العالم، كانوا مصابين بقصر النظر عام 2000. وتوقعوا أن يرتفع العدد إلى نحو 4.8 مليار شخص بحلول 2050، أي ما يقارب نصف سكان العالم، وأن يصل عدد المصابين بقصر النظر الشديد إلى نحو 938 مليون شخص، أي قرابة عُشر سكان العالم.

المؤشرعام 2000 (تقديري)عام 2050 (توقع)
نسبة المصابين بقصر النظر عالميًانحو 23%نحو 50%
عدد المصابيننحو 1.4 مليارنحو 4.8 مليار
نسبة قصر النظر الشديدنحو 3%نحو 10%

المصدر: Holden BA وزملاؤه، Ophthalmology، 2016. وهذه توقعات مبنية على اتجاهات سابقة، وقد تتغير بحسب السياسات الصحية والتعليمية.

شرق آسيا: الإنذار المبكر

تعد دول ومناطق مثل الصين وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ واليابان الأكثر تأثرًا. فقد أظهرت دراسات أن نسبة قصر النظر لدى الشباب عند إنهاء المرحلة الثانوية أو الالتحاق بالجامعة في بعض المدن تجاوزت 80 بالمئة، بل وصلت في بعض الدراسات على المجندين الشباب في كوريا الجنوبية وطلاب الجامعات في المدن الصينية إلى أكثر من 90 بالمئة. هذا التغير حدث خلال جيلين تقريبًا، وهو ما جعل هذه الدول رائدة في أبحاث الوقاية.

بقية العالم

لا تقتصر الزيادة على آسيا. فقد أظهرت دراسات أوروبية أن نسبة قصر النظر لدى الشباب أعلى مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة، وكذلك في الولايات المتحدة. وفي منطقتنا العربية تشير دراسات محلية متفرقة إلى نسب متزايدة لدى طلاب المدارس، وإن كانت البيانات أقل شمولًا. ومع انتشار التعليم المكثف والأجهزة الذكية ونمط الحياة الداخلي، يُتوقع أن يتسع نطاق المشكلة.

لماذا يتزايد قصر النظر؟

أهم ملاحظة هنا أن الجينات البشرية لا تتغير خلال جيل أو جيلين. لذلك فإن السرعة الكبيرة في ارتفاع النسب تعني أن البيئة ونمط الحياة يلعبان الدور الأساسي، بينما تحدد الوراثة مدى قابلية كل شخص للتأثر بهذه العوامل.

1. العمل القريب والتعليم المكثف

تربط دراسات كثيرة بين مستوى التعليم وكثافته وبين قصر النظر. فالأطفال الذين يقضون ساعات طويلة في القراءة والكتابة والدراسة، خاصة في الأنظمة التعليمية التنافسية التي تبدأ مبكرًا وتشمل دروسًا إضافية مسائية، أكثر عرضة للإصابة. ويضاف إلى ذلك اليوم الاستخدام الواسع للهواتف والأجهزة اللوحية على مسافات قريبة جدًا. وقد وجدت مراجعات منهجية ارتباطًا بين الوقت على الأجهزة الذكية وقصر النظر، وإن كان من الصعب فصل تأثيرها عن العمل القريب عمومًا.

يُعتقد أن العمل القريب المتواصل، وخاصة على مسافة قريبة جدًا ودون فترات راحة، يخلق إشارات في الشبكية تشجع على استطالة العين. لكن الآلية الدقيقة ما زالت قيد البحث، والأدلة على العمل القريب أقل قوة واتساقًا من الأدلة على دور الوقت في الخارج.

2. قلة الوقت في ضوء النهار

هذا العامل يتمتع بأدلة قوية ومتسقة. فالأطفال الذين يقضون وقتًا أطول في الهواء الطلق أقل عرضة لتطور قصر النظر، بغض النظر عن مقدار القراءة التي يقومون بها. وقد أكدت ذلك تجارب سريرية عشوائية في الصين وتايوان، حيث أدت زيادة وقت الخروج في المدارس إلى انخفاض عدد الحالات الجديدة.

التفسير الأكثر قبولًا أن ضوء النهار الساطع، وهو أقوى من الإضاءة الداخلية بعشرات المرات أو أكثر، يحفز إفراز الدوبامين في الشبكية، وهو ناقل عصبي يبدو أنه يثبط استطالة العين. كما قد يساهم النظر إلى مسافات بعيدة في الخارج. ونفصّل هذه الأدلة في مقال الوقت في الهواء الطلق وقصر النظر.

3. الوراثة

الأطفال الذين لديهم أحد الوالدين أو كلاهما مصاب بقصر النظر أكثر عرضة للإصابة، ويزداد الخطر عندما يكون الوالدان كلاهما مصابين. وقد حددت دراسات الجينوم أكثر من مئتي موقع جيني مرتبط بقصر النظر، لكن كلًا منها له تأثير صغير. كما أن جزءًا من التشابه داخل الأسرة يعود إلى أنماط حياة مشتركة، كقيمة التعليم والوقت في الداخل. اقرأ المزيد في مقال التاريخ العائلي وخطر أمراض العين.

4. عوامل أخرى قيد البحث

تدرس الأبحاث عوامل إضافية مثل التحضر والعيش في المدن المزدحمة، وأنماط النوم، والإضاءة الداخلية، والنظام الغذائي، لكن الأدلة عليها أضعف ولا تكفي لتوصيات قاطعة.

العاملقوة الدليلقابل للتعديل؟
قلة الوقت في الهواء الطلققوية (تجارب عشوائية)نعم
العمل القريب الطويلمتوسطة (دراسات رصدية)نعم جزئيًا
قصر النظر لدى الوالدينقويةلا
بدء قصر النظر في سن مبكرةقوية كمؤشر لدرجة أعلى لاحقًايمكن تأخيره
التحضر ونمط الحياة الداخليمتوسطةجزئيًا

لماذا يهم قصر النظر الشديد؟

قد يبدو قصر النظر مشكلة بسيطة تُحل بالنظارة، وهذا صحيح بالنسبة للرؤية اليومية. لكن العين الطويلة جدًا تتعرض لتمدد في طبقاتها الداخلية، خاصة الشبكية والمشيمية والصلبة، مما يجعلها أكثر عرضة لمضاعفات قد تهدد البصر في منتصف العمر وما بعده. والنظارة أو العدسات أو حتى جراحة الليزر تصحح الرؤية لكنها لا تغير طول العين ولا تزيل هذه المخاطر.

انفصال الشبكية

الشبكية المتمددة والرقيقة أكثر عرضة للتمزقات والثقوب، والتي قد تؤدي إلى انفصال الشبكية، وهو حالة طارئة تتطلب علاجًا جراحيًا سريعًا لإنقاذ البصر. ويرتفع الخطر مع ارتفاع درجة قصر النظر.

اعتلال البقعة الناتج عن قصر النظر

اعتلال البقعة الناتج عن قصر النظر (Myopic Maculopathy) تغيرات تنكسية في مركز الشبكية المسؤول عن الرؤية الدقيقة، تشمل ترقق المشيمية والشبكية وضمورها، وقد تنمو أوعية دموية غير طبيعية. وهو من الأسباب الرئيسية لضعف البصر غير القابل للتصحيح في بعض دول شرق آسيا، ويزداد خطره بشكل حاد مع زيادة درجة قصر النظر وطول العين.

الزرق والساد

يرتبط قصر النظر أيضًا بزيادة خطر الزرق (المياه الزرقاء) المفتوح الزاوية، وبظهور الساد (المياه البيضاء) في سن أبكر، خصوصًا ساد النواة والساد تحت المحفظة الخلفي.

الأهم أن كل ديوبتر يتم تجنبه أو إبطاؤه يحمل فائدة. فالدراسات تشير إلى أن خطر اعتلال البقعة يرتفع مع كل زيادة في درجة قصر النظر، ولذلك فإن إبطاء تقدمه في الطفولة، ولو بدرجة متوسطة، قد يقلل المضاعفات على المدى البعيد.

ماذا يمكن أن نفعل؟

على مستوى الأسرة

  • الوقت في الخارج: يُنصح عادة بنحو ساعتين يوميًا في الهواء الطلق للأطفال، وهو من أبسط الوسائل وأكثرها أمانًا.
  • فترات راحة من العمل القريب: تطبيق قاعدة 20-20-20 والحفاظ على مسافة قراءة مناسبة، وتجنب القراءة القريبة جدًا.
  • تنظيم الشاشات: وضع حدود واضحة لوقت الترفيه على الأجهزة، خاصة لدى الأطفال الصغار.
  • الفحص المبكر: فحص نظر الأطفال بانتظام، خاصة إذا كان أحد الوالدين مصابًا بقصر النظر.

على المستوى الطبي

للأطفال الذين أصيبوا بقصر النظر ويتقدم لديهم، توجد اليوم خيارات مثبتة لإبطاء التقدم يقررها طبيب العيون، منها قطرات الأتروبين منخفضة التركيز التي درستها تجارب مثل LAMP، وعدسات نظارات مصممة خصيصًا للتحكم في قصر النظر، وعدسات لاصقة متعددة البؤر لهذا الغرض، وعدسات تقويم القرنية الليلية. لا تمنع هذه الخيارات قصر النظر تمامًا ولا تعكسه، لكنها تبطئ تقدمه بنسب متفاوتة. أما تمارين العين فلا يوجد دليل على أنها تبطئ قصر النظر، كما نوضح في مقال ماذا يقول العلم عن تمارين العين.

على مستوى المجتمع والمدارس

أطلقت بعض الدول برامج وطنية لزيادة وقت الخروج في المدارس، وتقليل الواجبات المنزلية للأطفال الصغار، وتنظيم الفحوص المدرسية. وتُظهر تجربة تايوان، حيث شجعت السياسات المدرسية على قضاء وقت أطول في الخارج خلال الاستراحات، أن مثل هذه التدخلات البسيطة يمكن أن تحدث فرقًا على مستوى السكان.

متى يجب مراجعة طبيب العيون؟

احرص على فحص عيني طفلك بانتظام، وراجع الطبيب إذا لاحظت أنه يقترب من التلفاز، أو يضيق عينيه للنظر إلى البعيد، أو يشكو من صعوبة رؤية السبورة. وإذا كان لديك قصر نظر شديد، فاحرص على فحص شامل للشبكية بشكل دوري حسب توصية طبيبك، حتى لو كانت رؤيتك جيدة بالنظارة.

علامات طارئة لدى المصابين بقصر النظر خاصة: ظهور مفاجئ لعدد كبير من العوائم (نقاط أو خيوط سوداء تتحرك في مجال الرؤية)، أو ومضات ضوئية، أو ظل أو ستارة تزحف على جزء من مجال الرؤية، أو تشوه مفاجئ في الخطوط المستقيمة أو بقعة في مركز الرؤية. هذه الأعراض قد تشير إلى تمزق أو انفصال في الشبكية أو مضاعفات في البقعة، وتحتاج إلى مراجعة طبيب العيون أو الطوارئ في اليوم نفسه.

الخلاصة

الزيادة العالمية في قصر النظر حقيقية ومتسارعة، وتتوقع الدراسات أن يصيب نحو نصف سكان العالم بحلول 2050. والسبب الرئيسي ليس تغيرًا في جيناتنا، بل في طريقة عيشنا: ساعات أطول من العمل القريب ووقت أقل في ضوء النهار. والقلق الأكبر لا يتعلق بالنظارة، بل بمضاعفات قصر النظر الشديد كانفصال الشبكية واعتلال البقعة. والخبر الجيد أن لدينا وسائل بسيطة وفعالة للحد من المشكلة، تبدأ من إخراج الأطفال إلى الهواء الطلق، وتمتد إلى الفحص المبكر والعلاجات الحديثة لإبطاء التقدم.

الأسئلة الشائعة

هل صحيح أن نصف العالم سيصاب بقصر النظر؟

تقدّر دراسة هولدن وزملائه المنشورة عام 2016 أن نحو نصف سكان العالم قد يعانون من قصر النظر بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية. وهي توقعات قد تتغير مع تدابير الوقاية.

هل قصر النظر وراثي أم بيئي؟

كلاهما. الوراثة تزيد القابلية، خاصة إذا كان الوالدان مصابين، لكن السرعة الكبيرة في زيادة النسب خلال جيل أو جيلين تشير إلى دور أساسي للبيئة، كالعمل القريب وقلة الوقت في الخارج.

ما هو قصر النظر الشديد؟

يُعرّف عادة بأنه 5 ديوبتر سالبة أو أكثر. وأهميته أنه يرتبط بزيادة خطر انفصال الشبكية واعتلال البقعة والزرق والساد المبكر، حتى لو كانت الرؤية جيدة بالنظارة.

هل جراحة الليزر تزيل مخاطر قصر النظر الشديد؟

لا. جراحة الليزر تغير شكل القرنية لتصحيح الرؤية، لكنها لا تغير طول العين ولا تزيل تمدد الشبكية. لذلك يحتاج المصابون بقصر النظر الشديد إلى فحص دوري للشبكية حتى بعد الجراحة.

هل يمكن إيقاف تقدم قصر النظر لدى الأطفال؟

لا يمكن إيقافه تمامًا، لكن يمكن إبطاؤه بخيارات يقررها الطبيب مثل قطرات الأتروبين منخفضة التركيز وعدسات التحكم في قصر النظر. والوقت في الخارج يساعد خاصة في الوقاية من بدايته.

هل تزيد الشاشات من قصر النظر؟

تشير مراجعات إلى ارتباط بين وقت الأجهزة الذكية وقصر النظر، لكن من الصعب فصل تأثيرها عن العمل القريب عمومًا وقلة الوقت في الخارج. تنظيم الاستخدام وزيادة اللعب في الخارج أمران مفيدان.

المصادر
  • Holden BA et al. – Global prevalence of myopia and high myopia and temporal trends from 2000 through 2050, Ophthalmology 2016
  • World Health Organization – The impact of myopia and high myopia, Report of the Joint WHO–Brien Holden Vision Institute Global Scientific Meeting, 2015
  • Morgan IG, Ohno-Matsui K, Saw SM – Myopia, The Lancet 2012
  • He M et al. – Effect of time spent outdoors at school on the development of myopia among children in China, JAMA 2015
  • Yam JC et al. – Low-Concentration Atropine for Myopia Progression (LAMP) Study, Ophthalmology 2019
  • International Myopia Institute (IMI) – White Papers on myopia

مقالات ذات صلة